السلمي
34
طبقات الصوفية
صُحبتَه الورعون ، وأَبغضه الزاهدون ؛ فإنَّ ذلك اسْتِعْتَابٌ من الله تعالى ، لكي بُعِتَبه ؛ قلبَه الضلالةَ ، مع حِرْمان الرِّزق ، وجفاءَ من الأهل ، ومَقْتٍ من الملائكة ، وإعْراضٍ من الرسل بوجوههم . ثم لم يُبَالِ في أي وادٍ يُهِلكُه . قال ، قلت : إني صحبتُ - وأنا ماشٍ بين الكوفة ومكَّةَ - رجلا . فرأيتُه - إذا أمسى - يصلِّى ركعتين ، فيهما تجاوز ؛ ثم يتكلمُ بكلامٍ خَفي ، بينه وبين نفسه ؛ فإذا جَفْنَةٌ من ثَريد عن يمينه ، وكُوزٌ من ماء ؛ فكان يأكلُ ويُطعِمُني . قال : فبكى الشيخُ عند ذلك ، وبكى مَنْ حوله ، ثم قال : يا أبيَّ ! - أو : يا أخي - ذاك أخي داودُ . ومَسْكَنُه من وراء بَلْخ ، بقرية يقال لها : " البارِدَةُ الطَّيِّبَة " . وذلك أن البقاع تَفَاخَرتْ بكينونِة داود فيها . يا غلام ! ما قال لك ؟ وما علَّمكَ ؟ قال : قلتُ : علَّمَني " اسم الله الأعظم " . فسأل الشيخُ : ما هو ؟ . فقلت : إنه يتعاظم علىّ أن أنطقَ به . فإني سألتُ به مرةً ، فإذا برجلٍ آخذٍ بحُجْزَني ؛ وقال : سَلْ تُعْطَه . فراعَني ؛ فقال : لا رَوْعَ عليك ! أنا أخوك الخَضْرُ . إنَّ أخي داودَ علمك إياه . فإياك أن تدعوَ به إلا في بِرّ ! . ثم قال : يا غلامُ ! إن الزاهدين في الدنيا ، قد اتخذوا الرضا عن الله لِباساً ، وحُبَّه دِثاراً ، والأَثَرَةَ له شِعاراً . فتفضُّلُ اللهِ - تعالى - عليهم ، ليس كتَفَضُّلهِ على غيرهم . ثم ذهب عنى . فتعجب الشيخ من قولي . ثم قال : إن الله سيَبْلغ بمن كان في مِثالك ،